ابن ميثم البحراني

327

شرح نهج البلاغة

الزمانيّة فضلا أن تسبق عليه فلم يكن شيء قبله مطلقا لا من الزمانيّات ولا من غيرها وإذا اعتبرته بالنظر إلى ترتيب السلوك ولاحظت مراتب السالكين المسافرين في منازل عرفانه وجدته آخرا إذ هو آخر ما ترتقى إليه درجات العارفين ومعرفته هي الدرجة القصوى والمنزل الآخر ، ولأنّ كلّ موجود سواه فهو ممكن العدم فله من ذاته أن لا يستحقّ وجودا فضلا أن يستحقّ الآخريّة والبعديّة المطلقة ، وهو تعالى الواجب لذاته فهو المستحقّ لبعديّة الوجود وآخريّته لذاته وبالقياس إلى كلّ موجود . فإذن هو الأوّل المطلق الَّذي لا شيء قبله والآخر المطلق الَّذي لا شيء بعده . التاسع : الرادع أناسيّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه وقد سبق أنّ القوّة الباصرة إنّما تتعلَّق بذي وضع وجهة والباري تعالى منزّه عنهما فيستحيل أن يدرك بحاسّة البصر وردعه لها قهرها بذلّ النقصان عن قبول إدراكه . العاشر : كونه لم يختلف عليه دهر فيختلف عليه الحال . لمّا كان الزمان مبدءا للتغيّرات واختلاف الأحوال ، وكان ذاته سبحانه منزّهة عن لحوق الزمان كانت مبرّءة عن تغيّر الأحوال الجارية على الزمانيّات واختلافها . الحادي عشر : ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال . لمّا كان من شأن ذي المكان جواز أن ينتقل من مكانه ، وكان سبحانه منزّها عن المكان وإلَّا لزمه النقصان اللازم للإمكان لا جرم لم يجز عليه الانتقال . الثاني عشر : كونه لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال وضحكت عنه أصداف البحار من فلزّ اللجين والعقيان . إلى قوله : مطالب الأنام . إنّما عدّد هذه الأشياء في معرض المدح له تعالى لكونها أعظم ما يقتدر عليه الإنسان ويقتنيه وأجلّ ما يتنافس فيه أبناء الدنيا تنبيها على كمال قدرته وعدم تناهى مقدوراته إذ سبق أنّه إنّما يتأثّر بهبة مثل ذلك جود المحتاجين الَّذين يتعاقب عليهم الانتفاع والتضرّر ، واستعار لفظ الضحك للأصداف ، ووجه الشبه انفتاح الصدفتين وإسفارهما عن اللؤلؤ الشبيه في بدوّة بأسنان الإنسان حال ضحكه وعن لحمة تشبه اللسان في رقّة طرفه ولطافته . ومن صادف الصدفة عند فتحها وجدها كالإنسان يضحك ، وكذلك استعار لفظ الحصيد لصغار اللؤلؤ ملاحظة